محمد غازي عرابي
650
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 11 ] الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) [ المؤمنون : 11 ] الفردوس منزل من منازل الجنات ، ولهذا جاء في موضع آخر قوله سبحانه : جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [ الكهف : 107 ] ، والنزل ما ينزل فيه الإنسان ، فالفردوس مقام القرب الذي يلتقي الإنسان فيه ربه ويكلمه ربه ، ويكلم ربه جهارا وعلنا كما قال عليه السّلام : ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحا ليس بينه وبينه ترجمان ) . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 12 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) [ المؤمنون : 12 ] أصل الإنسان الطين ، ولهذا سمينا نفسه المادية والنفس الترابية والنفس الطينية ، والمهم القول إن هذه النفس لا فكاك لها من العالم ، وقد سويت ونفخت في الجسد من بعد تكوينه لتكون مستودعا له ، وليكون هيكلا لها ، فتكون باطنه ، ويكون ظاهرها ، ويكون من كليهما الإنسان أنشد ابن عربي قائلا : وما الفخر إلا بالجسوم لأنها * مولدة الأرواح ناهيك من فخر [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 13 ] ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) [ المؤمنون : 13 ] القرار الرحم ، وقال ابن عربي : الرحم الطبيعة ، فالإنسان ابن الطبيعة ، لولاها ما كان ، ومن دونها لن يكون ، ولهذا ورد ما ورد في الجنة من وصف حي كأكل الطير وشرب اللبن والخمر والعسل ، إلا أن الجنة تتميز بأنها دار السّلام والطمأنينة ورؤية اللّه جهارا . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 14 ] ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ المؤمنون : 14 ] تكوين الإنسان ضربان ، ضرب للتسوية المادية ، وهي عملية وصفت في الآية بالخلق ، لأنه من دون فعل اسمه الخالق ما كان لبشر ولا لحيوان ونبات وجماد أن يكون ، فالعملية دينامكية والمحرك فيها النور الفعال ، وصورة هذا النور النفس التي سميت النفس الحيوانية لصلتها بالحياة وصلة الحياة بها ، ولهذا قيل ليس الجسم مستودع النفس بل النفس مستودع الجسم ، إذ النفس الحيوانية شعاع نوراني تنفعل من النور الفاعل ، وتفعل في الجسد بتوسط ، فقواها قوته ، وتدبيرها تدبيره . والخلق الآخر نفخ الروح في الجسد ، وهو إيداع الجسد حظه من الشعاع النوراني سمي النفس الناطقة ، وسمي اللطيفة الإلهية ، ففضل الإنسان على بقية المخلوقات بهذا الخلق الاخر الذي هو التكريم والذي هو النطق والفهم والوعي والإدراك ، فبلغ الإنسان بهذا التكريم منزلة رفعته فوق الملائكة .